في مدينة سيدي قاسم، حيث تتقاطع تطلعات الشباب مع انتظارات الساكنة، يبرز بين الفينة والأخرى جيل جديد من الفاعلين الذين اختاروا الاقتراب من الشأن العام من بوابة الطموح والرغبة في الإصلاح، بدل الاكتفاء بانتقاد الواقع من بعيد. ومن بين هذه الأسماء، يلفت شاب طموح الأنظار بتجربة سياسية بدأت في سن مبكرة، بعدما اختار النزول إلى الشارع والاقتراب من هموم الناس، واضعاً نفسه أمام اختبار حقيقي عنوانه: هل يمكن للشباب أن يصنعوا فرقاً داخل المؤسسات؟
عبد الله الخروف، هذا الشاب، أحد أبناء سيدي قاسم، دخل غمار الانتخابات البرلمانية من بوابة الحزب الديمقراطي الوطني، في تجربة جعلت منه أصغر برلماني في تاريخ إقليم سيدي قاسم، وهي مسؤولية تحمل أكثر من دلالة، خصوصاً في منطقة تحتاج إلى وجوه جديدة قادرة على إعادة وصل السياسة بالمجتمع.
ارتباطه بالمدينة وبقبيلته لا يبدو مجرد حضور ظرفي مرتبط بالمواعيد الانتخابية، بل يعكس، بحسب ما يظهر من مساره، شعوراً بالانتماء ورغبة في رؤية سيدي قاسم تتقدم على مستوى الخدمات والتنمية والتدبير المحلي. فالرجل الذي يعرف تفاصيل المدينة ومحيطها، يحمل معه صورة جيل يريد أن تكون له كلمة في تحديد مستقبل المنطقة، لا أن يظل مجرد متفرج على القرارات التي تصنع بعيداً عن انتظارات المواطنين.
واللافت في تجربته أن طموحه لم يتوقف عند الخطاب السياسي أو الحضور في المواقع، بل حاول في مناسبات مختلفة طرح مقترحات عملية أمام الجهات المسؤولة، مستفيداً من المساحات التي تتيحها المؤسسات للمشاركة وإبداء الرأي. ومن بين الأفكار التي ارتبطت بهذا المسار، الدعوة إلى رقمنة العمل الجماعي، بما يمكن أن يجعل الخدمات أكثر سرعة وشفافية ويقرب الإدارة من المواطن.
كما طرح فكرة رقمنة "البيرمانوس" المرتبطة بسيارات الإسعاف، وهي خطوة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تعكس تصوراً يقوم على توظيف التكنولوجيا في تدبير خدمات لها علاقة مباشرة بحياة المواطنين، عبر تحسين التتبع والتنظيم والحد من العشوائية التي قد ترافق بعض العمليات المرتبطة بالنقل الصحي.
ومن زاوية أخرى، فإن تكوينه الأكاديمي يمنحه، على الأقل من حيث الأدوات، أرضية تساعده على مقاربة الشأن العام من منظور قانوني ومؤسساتي. فحصوله على الإجازة في القانون، ثم الماستر وشواهد عليا أخرى، إلى جانب صغر سنه، يجمع في تجربته بين المعرفة القانونية والطاقة التي عادة ما ترافق الوجوه الشابة.
لكن الأهم من الشهادات والمواقع هو كيفية تحويل هذه المؤهلات إلى مشروع سياسي قابل للقياس. فالشباب في السياسة لا يحتاجون فقط إلى الوجوه الجديدة، وإنما إلى أفكار جديدة، وآليات حديثة للتواصل، وقدرة على الإنصات وتحويل المطالب اليومية إلى مقترحات قابلة للتنفيذ.
ومن هنا تأتي أهمية أسلوبه المفتوح والقريب من الفئات النشيطة، خصوصاً الشباب، الذين باتوا يبحثون عن سياسي يتحدث بلغتهم ويفهم انتظاراتهم، دون أن يفقد القدرة على الاشتغال داخل المؤسسات. وهذه المعادلة تضعه في قلب مرحلة سياسية جديدة، حيث لم تعد المسافة بين المنتخب والمواطن تُقاس فقط بالمكان، وإنما أيضاً بسرعة التواصل، والقدرة على التفاعل، ووضوح المواقف.
ورغم أن الحكم على أي تجربة سياسية يحتاج إلى الوقت والنتائج، فإن مشروع شاب بهذا الطموح يمكن أن يشكل فرصة لسيدي قاسم إذا استطاع الانتقال من مرحلة الأفكار إلى مرحلة الإنجاز، ومن المبادرات الفردية إلى مشاريع مؤسساتية تستفيد منها المدينة وساكنتها.
فالمعركة الحقيقية ليست في الوصول إلى البرلمان، بل في إثبات أن الوصول إليه يمكن أن يكون بداية لمسار مختلف؛ مسار يجعل من المعرفة القانونية أداة، ومن القرب من الناس منهجاً، ومن التكنولوجيا وسيلة لتحديث الإدارة، ومن الغيرة على المدينة دافعاً للعمل.
وفي النهاية، قد تكون قيمة هذه التجربة في كونها تعكس سؤالاً أكبر من شخص واحد: ماذا يمكن أن يقدم جيل جديد من الشباب للسياسة المحلية والوطنية؟ والجواب لن تحسمه الكلمات ولا الصور ولا الحملات الانتخابية، بل ما سيتركه هذا الجيل من أثر ملموس في حياة المواطنين. فحين يتحول الطموح إلى عمل، والانتماء إلى مسؤولية، والأفكار إلى مشاريع، يصبح الشباب بالفعل جزءاً من الحل، وليس فقط عنواناً للتغيير.



